هذا السؤال يقلق الموظف والطالب والخريج وولي الأمر على السواء، وتتنازعه إجابتان متطرفتان: من يقول إن الذكاء الاصطناعي سيمحو نصف الوظائف خلال سنوات، ومن يقول إنه مجرد أداة لن تغير شيئًا. والحقيقة، كما تدل عليها الدراسات الدولية المنشورة، أكثر تركيبًا: تتغير المهام داخل الوظائف قبل أن تختفي الوظائف نفسها، وتظهر مهن جديدة، وتتوقف النتيجة على القطاع والمهارات وسرعة التكيف. وللأمانة نقول إننا لم نعثر على بيانات سعودية منشورة موثوقة تحدد نسب التأثر بحسب المهنة في المملكة، وأغلب القوائم المتداولة عامة وغير موثقة. في هذا المقال نعرض الصورة المتاحة بإنصاف، ونقدم خطة عملية لتأهيل نفسك.

ما الذي يعنيه «التأثر» بالذكاء الاصطناعي: استبدال أم تغيير؟

الوظيفة مجموعة مهام، والذكاء الاصطناعي يؤثر في المهام. فقد يؤتمت جزء كبير من مهام وظيفة ما فتصير الوظيفة أخف وتتطلب مهارات أخرى، وقد يؤتمت معظمها فتختفي الحاجة إلى كثير من شاغليها، وقد يزيد إنتاجية العاملين فيها فيرتفع الطلب. فالنتيجة ليست حتمية بل تتوقف على اقتصاد القطاع وقرارات الشركات والأنظمة وسرعة تبني التقنية.

ولذلك فمن الأدق أن تسأل: ما نسبة مهامي الروتينية القابلة للأتمتة؟ وما الجزء الذي يتطلب حكمًا وعلاقات ومسؤولية؟ فمن يقضي معظم يومه في إدخال بيانات أو نسخ معلومات أو كتابة تقارير نمطية أكثر عرضة للتغير ممن يقضيه في التفاوض والإشراف والتعامل مع العملاء وحل المشكلات المعقدة. ويقدم تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في نسخة 2025 تقديرات عالمية لنمو الوظائف وتراجعها، وننصح بالاطلاع عليه من مصدره بدل الأرقام المتناقلة.

ما المهن والمهام التي يرجح أن تتغير أكثر؟

تشير المصادر العامة إلى أن المهام الروتينية القائمة على النص والبيانات هي الأكثر قابلية للأتمتة: إدخال البيانات، والرد على الاستفسارات الأساسية، والترجمة الروتينية، وإعداد التقارير المتكررة، وبعض الأعمال المحاسبية والمراجعة الأولية. وتتغير مهن متوسطة التأثر مثل التسويق والبرمجة والتصميم وخدمة العملاء والمبيعات، حيث تزداد الإنتاجية وتتبدل المهارات المطلوبة وربما تتقلص بعض الأدوار المبتدئة.

أما المهن التي تعتمد على التعامل الإنساني المباشر والمسؤولية والمهارة اليدوية في بيئات غير منتظمة، كالتمريض والتعليم ببعده الإنساني والإدارة والحرف المتخصصة، فتبدو أقل عرضة للاستبدال، وإن كانت أدوات الذكاء الاصطناعي ستدخل إلى جوانب منها. وهذه القوائم تقريبية ومصدرها تحليلات عامة وغير خاصة بالسعودية، فلا تبنِ عليها قرارًا مصيريًا قبل البحث في قطاعك وجهتك.

كيف يبدو الوضع في السعودية بوجه خاص؟

للمملكة سياق مميز: رؤية 2030 تعطي الذكاء الاصطناعي مكانة استراتيجية، وهناك استثمارات كبيرة في البنية التحتية والكفاءات، ومبادرات لتدريب وتأهيل المواطنين في هذا المجال بإشراف جهات مثل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي وبرنامج تنمية القدرات البشرية. ويتوقع أن ينشأ طلب على وظائف تحليل البيانات وهندسة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحوكمة البيانات. غير أننا لا نملك أرقامًا موثقة عن عدد الوظائف التي ستنشأ أو تتغير.

وفي الوقت ذاته تتجه جهات حكومية وخاصة إلى استعمال الأدوات الذكية في خدمة العملاء والعمليات، مما قد يغير طبيعة بعض الوظائف الإدارية والخدمية. وتتأثر بعض القطاعات بعوامل أخرى كسياسات التوطين والنمو الاقتصادي. فلا يصح تصور أن الذكاء الاصطناعي هو المتغير الوحيد. وللتعرف على الوضع الفعلي في قطاعك تابع تقارير الجهات الرسمية ومنصات التوظيف والأسئلة المباشرة لأرباب العمل.

ما المهارات التي تحميك وتزيد قيمتك في السوق؟

المهارة الأولى هي استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة في مجالك، أي أن تعرف متى تستعين بها وكيف تصوغ طلباتك وتراجع مخرجاتها. فمن سيستبدل الموظفين في الغالب هو موظف يستعمل هذه الأدوات جيدًا لا الأداة وحدها، وهذه عبارة شائعة لكنها تعكس اتجاهًا واقعيًا. والمهارة الثانية التفكير الناقد والتحقق: القدرة على اكتشاف الخطأ والتحيز والاختلاق في مخرجات الأدوات، وهذه مهارة نادرة ومطلوبة.

والمهارة الثالثة المهارات الإنسانية: التواصل والتفاوض والقيادة والتعاطف وبناء الثقة، فهي صعبة الأتمتة. والرابعة الثقافة بالبيانات: فهم الأرقام وقراءة التحليلات واتخاذ القرار بناءً عليها. والخامسة التعلم المستمر: فالأدوات والمتطلبات تتغير، ومن يتعلم باستمرار يتكيف. وأضف إلى ذلك معرفة عميقة بمجال محدد، فالخبرة المتخصصة مع الأدوات تفوق الأدوات وحدها.

ماذا تفعل خلال الأشهر الستة القادمة، سواء كنت طالبًا أو موظفًا أو باحثًا عن عمل؟

ابدأ بجرد مهامك: اكتب ما تفعله في أسبوع، وحدد ما يمكن أن تؤديه أداة ذكاء اصطناعي بكفاءة، وما يتطلب حكمك. ثم جرب الأدوات على مهامك الروتينية وقس ما توفره. وتعلم مهارة واحدة مكملة كل ثلاثة أشهر، كتحليل البيانات أو الكتابة المهنية أو إدارة المشاريع، من دورات معتمدة، وقد تتوفر برامج تدريبية حكومية ومجانية، فاسأل عنها في المنصات الرسمية للتأهيل والتوظيف.

وللطالب، اختر مشاريع عملية تظهر قدرتك على استعمال الأدوات مع فهم عميق، وابنِ ملف أعمال، وتدرب تدريبًا تعاونيًا. وللموظف، اطرح على إدارتك مبادرات صغيرة تحسن العمل بأدوات مسموحة، فمن يقود التغيير أقل عرضة لأن يتضرر منه. وللباحث عن عمل، حدّث سيرتك بمهاراتك الرقمية الحقيقية، وانتبه للإعلانات الوظيفية الوهمية. وفي كل الأحوال لا تتخذ قرارًا مصيريًا كترك وظيفة أو تغيير تخصص بسبب عنوان مثير.

كيف تقرأ العناوين والتوقعات المتداولة عن الوظائف دون أن تنخدع بها؟

تتكرر في الإعلام أرقام صادمة مثل «ملايين الوظائف ستختفي» أو «نسبة كذا من المهن مهددة»، وتنتشر لأنها تثير الانتباه لا لأنها دقيقة. وعند قراءة أي رقم اسأل: من أصدره؟ وهل هو جهة بحثية معروفة أم موقع تسويقي؟ وما منهجه؟ وهل يتحدث عن مهام أم عن وظائف كاملة؟ وهل يخص السعودية أم العالم؟ وما الفترة الزمنية؟ فالتقدير الذي يتحدث عن إمكان تقني لأتمتة مهمة يختلف عن توقع بفقدان وظيفة فعلًا، لأن التطبيق الفعلي يتأخر بسبب التكلفة والأنظمة وتقبل المجتمع.

ويفيدك أن تقارن بين أكثر من مصدر، وأن تفضل التقارير التي تعرض مصادرها ومنهجيتها وتقر بحدودها، وأن تحذر من القوائم التي تصنف مئات المهن بنسب دقيقة دون دليل. كما أن بعض من يبيعون دورات أو منتجات يضخمون الخطر ليبيعوا الحل. ولا يعني هذا إنكار التغير، بل معايرة قلقك: اجعله دافعًا للتعلم والتجريب لا للهلع، وتابع مؤشرات سوقك الفعلي من إعلانات الوظائف وسؤال العاملين في مجالك، فهذه أصدق من العناوين العامة.

أسئلة شائعة عن الذكاء الاصطناعي والوظائف

هل سأفقد وظيفتي؟

لا أحد يستطيع الجزم. التغير في المهام مرجح، والاستبدال الكامل يتوقف على نوع الوظيفة والقطاع. استعد بتطوير مهاراتك.

هل أغير تخصصي الجامعي؟

لا تقرر بدافع الخوف. ابحث في الطلب الفعلي في مجال تخصصك وكيف تدمج الأدوات الذكية فيه، وتحدث مع العاملين في المجال.

ما أهم مهارة أتعلمها الآن؟

استعمال الأدوات بحكمة والتحقق من مخرجاتها، مع مهارات التواصل والتحليل في مجالك.